محمد أبو زهرة

1709

زهرة التفاسير

فهذا نوع من الإشراك لا يقل خطرا عن الشرك في العبادة ؛ لأن الله وحده هو الذي أنشأ الكون ، وهو وحده الذي يشرع لعباده ، وبين لهم أوامره ونواهيه ، وليس لأحد أن يتكلم عنه إلا أن يكون رسولا منه إلى العالمين ، فمن اتخذ غير الرسول طريقا لمعرفة شرع الله من غير كتاب الرسول وكلامه فقد أشرك بالله . وقد ذكر سبحانه أنه لا يغفر ذلك ، وأكد عدم الغفران لهذه الحال ب ( إن ) التي تفيد التوكيد ، فلا يرجو مشرك غفرانا ، أيا كان نوع الشرك ، إلا أن يقلع عنه ، فإن الله تعالى غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا . وقد ذكر سبحانه أنه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء ، وما دون الشرك يكون من مرتكب الكبيرة أو الصغيرة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن آمن بالأنبياء السابقين قبل أن تنسخ شريعتهم بالشريعة المحمدية ، فإن هؤلاء قد وعد سبحانه وتعالى فضلا منه ومنة على عباده أن يغفر لهم ما يشاء لمن يشاء من عباده . ذلك أن من يرتكب الكبيرة إن تاب عنها غفرها الله تعالى ، وإن لم يتب ولم تحط الخطايا بنفسه ، وله حسنات ، فإن الحسنات يذهبن السيئات . وفي ميزان الله تعالى العادل يوم القيامة توزن الحسنات والسيئات ، فمن ثقلت كفة حسناته فأولئك هم المفلحون . ومشيئة الله تعالى هي مشيئة الحكيم الخبير ، الذي يضع كل أمر في موضعه ، ولا يظلم ربك أحدا . وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً الافتراء هنا معناه الكذب الشديد الذي يؤدى إلى الفساد . جاء في مفردات الراغب : الفرى قطع الجلد للخرز والإصلاح ، والإفراء للإفساد ، والافتراء فيهما ، وفي الإفساد أكثر ، وكذلك استعمل في القرآن في الكذب والشرك والظلم نحو : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً فمعنى فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً فقد كذب كذبا فيه ظلم وفيه إفساد وضلال ، وكان ذلك كله إثما عظيما .